تقرير: انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا خلال شهر مارس 2025

المقدمة
شهد شهر مارس استمرارًا للانتهاكات الجسيمة والجرائم الدولية التي ترتكبها السلطات الأمنية والعسكرية في شرق وغرب ليبيا ضد المدنيين، في ظل تقاعس واضح ومستمر من السلطات عن الوفاء بالتزاماتها في حماية حقوق الإنسان وضمان المساءلة والمحاسبة.
وثق فريق الرصد والتوثيق الميداني خلال شهر مارس الاعتقال التعسفي أحد عشرة (11) مدني، من بينهم محامييْن وشخصيتين مجتمعيتين ومرشح لانتخابات المجالس البلدية وشقيق ناشط سياسي؛ في مدن المرج، وطرابلس، وبنغازي، وزليتن. كما سجل الفريق الميداني انتشال ستة (6) جثث مجهولة الهوية، يُعتقد أنها تعود لمهاجرين، على شواطئ مدينة الزاوية. وتشير هذه الحوادث إلى استمرار الانتهاكات ضد المهاجرين وعدم اتخاذ السلطات التدابير اللازمة لحماية أرواحهم في البر والبحر.
وكذلك يتابع الفريق الميداني خلال شهر مارس تصاعدًا مقلقًا في حملات الاعتقال التعسفي والترحيل القسري التي استهدفت المهاجرين في ثلاثة مدن بغرب ليبيا، وذلك على خلفية تصريحات تحريض صادرة عن مسؤولين في السلطات في شرق وغرب ليبيا، بالإضافة إلى نشطاء وسكان محليين. كما تابع إغلاق مكاتب ما لا يقل عن سبع (7) منظمات دولية في طرابلس ومصراتة، واستدعاء ما لا يقل عن عشرة (10) من موظفيها المحليين واستجوابهم.
تُحمّل منظمة رصد الجرائم في ليبيا (“رصد”) المسؤولية القانونية الكاملة عن حالات الاعتقال التعسفي الموثقة خلال هذا الشهر لكل من وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، وجهاز الأمن الداخلي التابع للحكومة الليبية المعتمدة من مجلس النواب، والقوات المسلحة العربية الليبية، وجهاز الأمن الداخلي وجهاز المخابرات الليبية التابعان للمجلس الرئاسي الليبي؛ لكونها الجهات التي ارتكبت هذه الانتهاكات أو سهلت وقوعها أو فشلت في منعها وملاحقة مرتكبيها.
وتؤكد رصد أن الانتهاكات الواردة في هذا التقرير لا تعكس بالضرورة الحجم الفعلي للانتهاكات المرتكبة خلال الفترة المشمولة، وإنما تمثل فقط الحالات التي تمكن الفريق الميداني من توثيقها. كما أن النشر يقتصر على الانتهاكات التي لا يشكل الكشف عنها خطرًا على الضحايا أو الناجين أو ذويهم
التفاصيل
8 مارس
في الثامن من مارس، سجلت رصد العثور على جثة واحدة (1) مجهولة الهوية، يُعتقد أنها تعود لمهاجر، في ميناء اسبان بمدينة الزاوية، وتم انتشالها من قِبَل الهلال الأحمر الليبي فرع الزاوية، ونقلها إلى المستشفى لاستكمال الإجراءات القانونية.
9 مارس
وثقت رصد، في التاسع من مارس، إعادة الاعتقال التعسفي لخمسة (5) رجال من مدينة المرج من قِبَل أفراد تابعين لفرع جهاز الأمن الداخلي المرج، التابع للحكومة الليبية المعتمدة من مجلس النواب، وذلك بعد 7 أيام من إخلاء سبيلهم. وقد تم اقتيادهم مجددًا إلى سجن يشرف عليه الجهاز ببنغازي.
وكان الضحايا الخمسة قد تعرضوا للاعتقال التعسفي يوم 12 سبتمبر 2024، من قِبَل مسلحين تابعين للكتيبة 115 مشاة التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية، واقتيدوا إلى سجن غير رسمي في مقر جهاز الأمن الداخلي بمنطقة سيدي حسين في بنغازي، قبل أن يتم إخلاء سبيلهم في 28 فبراير الماضي.
13 مارس
تابعت رصد منذ الثالث عشر من مارس حملة الاعتقالات التعسفية التي طالت مئات المهاجرين، بعد اقتحام منازلهم في عدة مدن من بينها طرابلس ومصراتة وصبراتة، من قِبَل أجهزة أمنية تابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، من بينها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، ومديرية أمن صبراتة، وتم اقتيادهم إلى مراكز احتجاز يشرف عليها جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طرابلس.1
وجاءت هذه الحملة في سياق تصريحات تحريضية صدرت عن السلطات في شرق وغرب ليبيا، رافقها تصاعدًا ملحوظًا في خطاب الكراهية ضد المهاجرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب احتجاجات محلية وحملات تحريض على العنف، دعت إلى طرد المهاجرين بمزاعم أنهم يشكلون خطرًا على التركيبة الديمغرافية للبلاد.
وكذلك في الثالث عشر من مارس، رصدت منظمة رصد الاعتقال التعسفي للمحامي منير أعبيد (56 عامًا)، من مقر عمله بشارع الوحدة العربية في بنغازي، من قِبَل مسلحين تابعين لجهاز الأمن الداخلي التابع للحكومة الليبية المعتمدة من مجلس النواب، وتم اقتياده إلى سجن غير رسمي بمقر الجهاز في منطقة سيدي حسين حيث لايزال قيد الاعتقال التعسفي.
وجاء اعتقال أعبيد بعد شكوى قدمها إلى المحامي العام بنغازي ونيابة جنوب بنغازي ضد رئيس جهاز الحرس البلدي، عبد المنعم المهشهش، بسبب ترهيبه وفرضه قيودًا على وصول عدد من المحامين لمكاتبهم بشركة المهيب للمحاماة التي يعمل بها. وبعد اعتقاله، تم هدم مبنى المكتب دون إجراءات قانونية.
20 مارس
بين الخامس عشر والعشرين من مارس، سجلت رصد العثور على خمسة (5) جثث مجهولة الهوية، يُعتقد أنها تعود لمهاجرين، في ميناء اسبان بمدينة الزاوية، وتم انتشالها من قِبَل الهلال الأحمر الليبي فرع الزاوية، ونقلها إلى المستشفى لاستكمال الإجراءات القانونية.
23 مارس
في الثالث والعشرين من مارس، رصدت منظمة رصد الاعتقال التعسفي لرجلين من أعيان قبيلة الجوازي وهم، منصور سمهود الجازوي (60 عامًا) وصالح يونس الهجار (46 عامًا)، في مدينة بنغازي من قِبَل مسلحين تابعين للقوات المسلحة العربية الليبية، وذلك بعد مشاركتهما في لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي في مدينة طرابلس، وتم اقتيادهما إلى مكان مجهول، وبعد 7 أيام من الاعتقال التعسفي، تم إخلاء سبيلهما في يوم 30 مارس دون إجراءات قانونية.
24 مارس
رصدت منظمة رصد في الرابع والعشرين من مارس، اعتقال المرشح لانتخابات المجلس البلدي لبلدية زليتن، رمضان مصباح الشاوش، في وسط المدينة من قِبَل مسلحين تابعين لجهاز الأمن الداخلي التابع للمجلس الرئاسي الليبي، وتم اقتياده إلى مكان مجهول حيث تعرض للاختفاء القسري قبل أن يتم إخلاء سبيله في اليوم التالي دون إجراءات قانونية.
25 مارس
وثقت رصد في الخامس والعشرين من مارس الاعتقال التعسفي لمحمد سالم القماطي (44 سنةً)، شقيق الناشط السياسي حسام القماطي المقيم في السويد، وذلك بعد اقتحام منزله في منطقة تاجوراء، شرق طرابلس، من قبل مسلحين تابعين لجهاز الأمن القومي بجهاز المخابرات الليبية التابع للمجلس الرئاسي الليبي، حيث تم اعتقاله واقتياده إلى مكان مجهول، وما يزال مختفيًا قسريًا حتى الآن.
27 مارس
في السابع والعشرين من مارس، رصدت منظمة رصد، تعرض المحامي محمد عبد القادر التومي (74 سنةً) للاعتقال التعسفي من قِبَل أفراد تابعين لجهاز الأمن الداخلي التابع للمجلس الرئاسي الليبي، على خلفية تقديمه استشارات لمنظمات دولية تعمل في مجال دعم ورعاية المهاجرين. حيث تم اقتحام مكتبه في منطقة الظهرة بمدينة طرابلس، واقتياده إلى مقر الجهاز بمنطقة الدريبي وسط المدينة، قبل إخلاء سبيله بعد 7 ساعات في ذات اليوم.
وفي ذات السياق رصدت منظمة رصد تعرض شركاء ومتعاونين مع تلك المنظمات للتهديد والترهيب. كما تابعت منذ بداية شهر مارس حملة شنها جهاز الأمن الداخلي ضد منظمات دولية تعمل في مجال دعم ورعاية المهاجرين، حيث تم إغلاق مكاتب ما لا يقل عن سبعة (7) منظمات في مدينتيْ مصراتة وطرابلس، كما تعرض عشرة (10) على الأقل من موظفيها المحليين للاستدعاء والاستجواب المطول من قِبَل الجهاز.
التوصيات
- تحمّل منظمة رصد الجرائم في ليبيا (“رصد”) السلطات في شرق وغرب ليبيا المسؤولية الكاملة عن حماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء وكافة الفئات الهشة من خطاب الكراهية والعنف والانتهاكات التي قد تطالهم، وتدعوها إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعّالة لضمان حمايتهم، ومنع أي أشكال من التحريض أو التمييز ضدهم.
- كما تدعو رصد النائب العام الليبي إلى فتح تحقيقات شاملة في حوادث الاعتداءات والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرين، وملاحقة كل من يحرض على الكراهية والعنف ضدهم، وضمان محاسبة الجناة وفقًا للقوانين الوطنية والالتزامات الدولية التي تلتزم بها ليبيا.
- تطالب رصد السلطات في ليبيا، وخاصة جهاز الأمن الداخلي، إلى التراجع الفوري عن قرار تعليق عمل المنظمات الدولية، وضمان استئناف أنشطتها دون قيود، باعتبار أن هذه التدابير تقوّض الاستجابة الإنسانية وتعرض حياة الفئات الأكثر هشاشة للخطر. كما تحث رصد السلطات في ليبيا على وقف كافة أشكال الترهيب والملاحقة ضد العاملين في المجال الإنساني والمدني، وضمان احترام حرية العمل الإنساني والمدني وفقًا للمعايير الدولية.
- تدعو رصد السلطات في شرق وغرب ليبيا إلى الوقف الفوري لكافة أشكال التضييق والاستهداف بحق المحامين وأعضاء الهيئات القضائية، والالتزام بضمان استقلالية القضاء واحترام الحصانة القانونية المكفولة لهم بموجب القوانين الليبية والمعايير الدولية. إن استمرار هذه الانتهاكات يشكل اعتداءً خطيرًا على سيادة القانون، ويفاقم فقدان الثقة في القضاء الوطني.
- تدعو رصد السلطات في شرق وغرب ليبيا إلى الوقف الفوري للاعتقال التعسفي والاستهداف الممنهج للمدنيين وخاصةً المعارضين والنشطاء وعائلاتهم، باعتباره انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية، واستمرار هذه الممارسات يكرّس مناخ الخوف ويقوض أي جهود نحو تحقيق العدالة واحترام سيادة القانون.
- تطالب رصد النائب العام الليبي بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك حوادث القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب داخل أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، وضمان محاسبة المسؤولين عنها وفقًا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
- تجدد رصد مطالبتها للسلطات في ليبيا بتحمل المسؤولية عن إنقاذ حياة المهاجرين على طول طرق الهجرة في الصحراء وفي البحر، والتعاون مع المنظمات الدولية لإنشاء آليات فعالة للبحث والإنقاذ لوقف الخسائر في حياة المهاجرين، والعثور على المفقودين وتحديد هوياتهم، كما تطالب منظمة رصد بفتح تحقيق مستقل وشفاف للكشف عن المسؤولين عن شبكات الاتجار بالبشر وضمان محاسبة المسؤولين وفق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
- تدعو رصد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والدول الفاعلة إلى تكثيف الضغط على جميع الأطراف لاحترام حقوق الإنسان، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية، وضمان كشف الحقيقة وجبر الضرر للضحايا، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تشجع على استمرار الانتهاكات.
- تطالب رصد السلطات في غرب وشرق ليبيا بالامتثال لالتزاماتها الدولية، وتسليم المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية، لضمان محاسبتهم وفق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، والحد من ظاهرة الإفلات من العقاب.
- تجدد رصد دعواتها لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى إعادة النظر في قراره بوقف التحقيقات في ليبيا بحلول نهاية عام 2025، لما قد يسهم به في ترسيخ الإفلات من العقاب وتشجيع ارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات.